ابن بطوطة
246
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
الإسلام خيرا ، لما فتح هذه المدينة هدم بعض سورها ، ثم استنقض الملك الظاهر هدمه خوفا أن يقصدها الروم فيمتنعون بها ، ولم يكن بهذه المدينة نهر فيما تقدم ، وجلب لها الماء في هذا العهد ، الأمير سيف الدين تنكيز « 17 » أمير دمشق . ذكر المسجد المقدس وهو من المساجد العجيبة الرائقة الفائقة الحسن ، يقال إنه ليس على وجه الأرض مسجد أكبر منه وأن طوله من شرق إلى غرب سبعماية واثنتان وخمسون ذراعا بالذراع المالكية « 18 » وعرضه من القبلة إلى الجوف أربعماية ذراع وخمس وثلاثون ذراعا ، وله أبواب كثيرة في جهاته الثلاث ، وأما الجهة القبلية منه فلا أعلم بها إلا بابا واحدا وهو الذي يدخل منه الامام ، والمسجد كله فضاء غير مسقف إلا المسجد الأقصى فهو مسقف ، « 19 » في النهاية من إحكام العمل وإتقان الصنعة ، مموّه بالذهب والاصبغة الرائقة ، وفي المسجد مواضع سواه مسقفة .
--> ( 17 ) يعتبر تنكيز من أبرز الشخصيات في المملكة ، يكنى أبا سعيد . . . جلب إلى مصر وهو صغير ثم صار إلى الناصر ثم كان في صحبته يترسل بينه وبين الأفرم . . . لم تكن له همة في مأكل ولا مشرب ولا ملبس ولا منكح إلا في تأمين الرعايا ، وكان يقول : أي لذّة للحاكم إذا كانت رعاياه يدعون عليه ؟ ! وكان الناصر لا يفعل شيئا إلا بعد مشورته . . . وله عدة منشآت حضارية وهو الذي أجرى العين إلى بيت المقدس ، وكان من المولعين بالصيد بالصقور . . . ولم تلبث الأيام أن تنكّرت له ، فقد أشيع عنه أنه عزم على الفرار إلى بلاد التتار ( الإيلخان ) فبلغ ذلك للسلطان الذي تغير عليه وأصدر أمرا بالقبض عليه وتعرض للإهانات والمصادرات ولم يدم في الاعتقال إلا دون الشهر ، وأدركه أجله أوائل 741 - يوليه 1340 . الدرر 2 ، 55 وما بعدها . . . ( 18 ) قبل ابن بطوطة وجدنا خسرو علوي الذي سجل مذكرات حجّه 437 - 444 - 1052 في كتابه ( سفرنامه ) يقول : إن طول المسجد أربع وخمسون وسبعمائة ذراع وعرضه خمس وخمسون وأربعمائة ذراع بذراع الملك " قال : وهو أي ذراع الملك أقلّ قليلا من ذراع ونصف ، هذا وإذا كان ابن بطوطة غفل عن نقوش الأقصى . . . فإن البلوي في رحلته ( تاج المفرق ) ، استطاع أن ينقل زهاء خمسة من المنقوشات التاريخية المفيدة ، وكذا السفير المغربي ابن عثمان في رحلته اجراز المعلى والرقيب . . . ) أنظر مخطوطة البلوي في الخزانة العامة . ناصر خسرو علوي : سفرنامه ، ترجمة د . يحيى الخشاب ( مشروع الألف كتاب الثاني ، 122 - الهيأة المصرية العامة للكتاب 1993 ص 69 . رحلة ابن عثمان : إحراز المعلّى والرقيب مخطوطة . ( 19 ) يتعلق الأمر بفناء كبير يسمى الحرم الشريف يحتوي على مسجدين : المسجد الأقصى ، وقبة الصخرة ، والأوّل يتألف من بلاد بيزنطي يعود تاريخه للقرن الأول الهجري - السابع الميلادي ، كما يتألف من مدخل قوطي بني سنة 624 - 1227 ، هذا ولا بد من الاطلاع على ما في ( نزهة المشتاق ) للادريسي الذي يقارن بين جامع قرطبة وبين المسجد الأقصى ( ج 4 ص 359 - 360 ) ، مطبوعات المعهد الشرقي ناپولي ، إيطاليا فليراجع . . .